رواية "الشاهدة والزنجي" لمهدي عيسى الصقر بطبعتها الثانية - ديموزي

اخر الأخبار

الثلاثاء، 11 فبراير 2020

رواية "الشاهدة والزنجي" لمهدي عيسى الصقر بطبعتها الثانية

رواية "الشاهدة والزنجي" لمهدي عيسى الصقر بطبعتها الثانية

رواية الشاهدة والزنجي لمهدي عيسى الصقر بطبعتها الثانية

متابعة وإصغاء - علي السعيدي 

البصرة هكذا دائماً في المفتتح زاخرة بالعطاء والحياة والحكايات؛ الحكايات تتجدد وتتوالد وتزهر بأبطالها المعروف عنهم الطيبة والبساطة والألفة والهدوء والتعب والألم والصمت، إلا أنهم يلمعون عند الحكائين رواة الحديث الذين ينحتون من الأفراح والأحزان المدن والشواهد والأضرحة والأساطير؛ الأساطير التي تجد شخوصها كل يوم طريقك في المحلة والأزقة والأسواق فتتذكر أنك تعرف هؤلاء الأبطال –حق معرفة- في حكايات مهدي عيسى الصقر الحاضرة والمتجددة والتي تولد مع كل إشراقة شمس دافئة في البصرة.  
أقام اتحاد وأدباء البصرة جلسة لمناسبة صدور الطبعة الثانية من رواية "الشاهدة والزنجي" عن دار المكتبة الاهلية في البصرة للقاص والروائي الراحل مهدي عيسى الصقر في مقره في البصرة صباح السبت الموافق 8 شباط 2020 وسط حضور كبير من المثقفين والمهتمين من أهالي البصرة.

وقدم الجلسة رئيس اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة الدكتور سلمان كاصد الذي قال في كلمته:

هذه الاصبوحة مخصصة لعلم من أعلام مدينة البصرة ابتداء من السياب والقدامى : مهدي عيسى الصقر محمود عبد الوهاب ومحمد خضير.
رواية الشاهدة والزنجي لمهدي عيسى الصقر بطبعتها الثانية

كبار في الثقافة العراقية والعربية أثروا وتأثروا بآداب مختلفة في العالم وأثروا بأجيال جديدة آتية أيضاً . اليوم نستمع ونتذاكر معاً بشكل ثقافي كبير الأستاذ مهدي عيسى الصقر رحمه الله.
 كتابي (الموضوع والسرد) هو ثمرة علاقتي بالأستاذ مهدي عيسى الصقر وهي رسالة الدكتوراه خاصتي بأدب مهدي عيسى الصقر
تناولت أدبه لفترة محددة، فالأجيال المقبلة هي التي سوف تستكمل هذا المشروع الكبير.
كتب الأستاذ مهدي عيسى الصقر أعمالاً كبيرة وكثيرة وكتب اعمالا روائية كبيرة في بنية الرواية العراقية ابتداء من "الشاهدة والزنجي" ومرورا بـ "صراخ النوارس" أعمالاً تعد ركيزة من ركائز الرواية العراقية.
كان متقدما بين جيله الذين كانوا أصدقاءه مثل: فؤاد التكرلي، عبد الملك نوري، محمود عبد الوهاب، وغائب طعمة فرمان ومحمد خضير . وهذه المجموعة التي قدمت الكثير في صرح الابداع العراقي.

وأضاف رئيس اتحاد الادباء والكتاب في البصرة قائلاً:

لم يشر مهدي عيسى الصقر في الفصل الأخير من رواية "الشاهدة والزنجي" إلى الانتحار ولم يشر إلى طريقة أخرى غير "الكاثرسيس" التطهير، ومهدي عيسى الصقر عاش في مدينة البصرة المعروف عنها سواء في الديانة الإسلامية او الديانة المندائية بالتالي فإن "نجاة" كانت قد اختارت التطهير من عذابات امرأة مشتتة ما بين الإنكليز والسلطة وما بين البيئة الاجتماعية التي تعيش فيها ففي آخر حوار من الرواية عندما كانت البطلة جالسة على السلم تحاور أمها "أن لا خيار أمامي هناك وجع في معدتي" فأرادت أن تخفي الحكاية كاملة في النهاية وكأنها في الوقت ذاته تتطهر. فجاءت إلى النهر وأغرقت نفسها هناك. فهي وضعت في هذه الإشكالية ولم تختر الإشكالية؛ فقد احبت رجلا وخرجت معه إلى المزرعة، فأوقعها في المشكلة. أعتقد انها امرأة فاضلة وبقت فاضلة لأنها اختارت الطريق الحقيقي، فانتقمت من ذاتها.

وتحدث نجل الروائي مهدي عيسى الصقر احسان مهدي عيسى الصقر في كلمة بهذه المناسبة قال فيها:  

بين الحين والآخر اسرق من الزمن وقتاً لاقضي سويعات عند الجذور هنا ولكن مع الأسف سرعان ما أنفر آه ثم آه يا بصرتنا الفيحاء أنت كالجبل تحملين الذهب والنفائس، وتأخذين العشب اليابس إن توفر. صبرت كأيوب وظفر بعون الله ولكنك أنت إلى الآن تتحملين وزر الوطن الجريح. رغم هذا لا زلت تنجبين العباقرة مهما جار عليك الزمن وتنمر الحاقدين. فكان أدباؤك مثل نخلك الباسق شامخين أبد الدهر كالصقر والسياب والبريكان وعبد الوهاب ومحمد خضير ومقداد مسعود وغيرهم.
رواية الشاهدة والزنجي لمهدي عيسى الصقر بطبعتها الثانية

وأضاف نجل الروائي قائلاً:

الصقر عراقي أصيل همه نقل معاناة ومآسي شرائح المسحوقين والكادحين. وصف آثار الحروب العبثية التي طالت البلاد كما في "امرأة الغائب" كان من الذين يصرخون بأعلى أصواتهم على الورق، حتى تبدو الأوراق محترقة معبرة عن الظلم والقهر لشعب عانى ما عانى من ألم وظلم وقهر كما في "صراخ النوارس". يحب العراقيين حباً جماً ويفتش عن الاعذار لأخطاء  العراقيين المسحوقين وجعل القارئ يتفهم الخطأ قبل أن يلعنهم. عاش أيضاً وبألم كبير آلام زملائه، فكان الصديق الوفي وذكر معاناة السياب الطريد وكيف حمل بسيارة جاءت من الكويت من قبل الشاعر السبتي في 24/12/1964 في نفس الوقت التي طردت عائلته من بيته في المعقل. هل يستحق تمثالاً فقط هذا الشاعر العظيم. كذلك كتب عن عبد الملك نوري الذي عاش الغربة في الخارج وفي الوطن وما أقسى الغربة في الوطن انه جرح غائر وكتب عن الشاعر المبدع رشدي العامل الذي ظل ينزف دماً حتى مماته، وغيرهم. فأبطال بلادي يموتون واقفين.
وعن "رواية الشاهدة والزنجي" قال الصقر:
إن هذه الرواية هي أول رواية أصدرها الوالد عام 1988 بعد أن أتحف المكتبة العربية بالعشرات من القصص القصيرة التي أجمع العديد من النقاد العرب على مكانته ضمن الرعيل الأول من أدباء العراق وكتابه والذين يعرفون بكتاب الخمسينيات إلى جانب عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان وغيرهم من الافذاذ الذي فتحوا الباب للأدب العراقي ليخرجوا متنفساً هواء الابداع ومهدوا الطريق لأجيال متلاحقة من الكتاب الشباب الذين أخذوا مكانتهم ضمن أدباء الأمة العربية.
بعد ذلك كتب الصقر عدة روايات مختلفة في آدابها المرسومة وشخوصها كانت كلها من أجمل ما يكون وكل واحدة منها كانت غنية بكنوز اللغة السردية الرائعة والوصف المحتكم للطبيعة وخوالج الانسان التعبيرية. كان بأخلاقه العالية ونبله وغزارة فكره وخبرته في الحياة نعم الأب لي ولأخوتي والعائلة جميعاً. كان حنوناً وعطوفاً على الأطفال والأصدقاء ويتعاون بمد العون لكل محتاج.

وعن مبادرة المكتبة الاهلية قال الأستاذ احسان مهدي عيسى الصقر:

كانت مبادرة المكتبة الاهلية مشكورة في اخراج الطبعة الثانية لرواية "الشاهدة والزنجي" بحلة جديدة حفاظاً على روحه الخالدة رونقاً أخاذاً أضاف الكثير إلى ما حوته المشاعر الفياضة جادت بها قريحة الوالد وهو يعالج سلبية رائعة وصف أهمية الصراع الادبي الذي لازم حقل الانسان منذ خلقه على وجه الأرض، وهو الصراع الازلي بين الفعل والضمير أوصل رسالته الينا بكل وضوح حول موضوع أن يحتكم الانسان الى ضميره في كل عمل يقوم به أو شهادة يدلى بها وأوضح لنا كيف ندوس مثل بطلة الرواية نجاة وبإصرار أن تدوس على ضميرها  وتشير إلى واحد من صفين طويلين من الجنود الامريكان ذوي البشرة السمراء المتهم بجريمة قتل لأنها لم تره في تلك الليلة الظلماء في بستان كثيف، كانت فقط متيقنة أن القاتل كان من ذوي البشرة السمراء، أطلق عليها الوالد المرحوم "امرأة حالمة في زمن متوحش" إني أتساءل كما غيري بأن الرواية كتبت في عام 1985 والتي تركزت حول الجنود الامريكان في البصرة وتحول هذه الحقيقة عندما دخلوها بعد حوالي عقدين من الزمن بعد الصمود الخيالي لأبطالنا في أم قصر وهو يدل على عمق قلم الكاتب واستشرافه حيث أطلق عليها الناقد حميد المختار بأنها رواية النبوءة.
واختتم الصقر كلمته قائلاً:
وإني هنا أثمن جهود المسؤولين في دار المكتبة الاهلية في البصرة في امتاع القراء بإعادة نشر رواية "الشاهدة والزنجي" فألف شكر لهم ومزيداً من الاغناء والاثراء لكي ينهل مثقفو البلد من ابداعات الماضي الجميل والحاضر والمشرق.


 كما قدم السيد مصطفى غازي فيصل مدير دار المكتب الاهلية في البصرة كلمة بالمناسبة قائلا  

من باب التميز وجدنا من الضروري أن نطلق سلسلة (مختارات) إصدارات عن دار المكتبة الاهلية في البصرة فوقع الاختيار على هذه الرواية المهمة.   
وكان لزاماً ان يكون أولى الإصدارات مميزاً كما يلبي احتياج سوق الكتاب، فوقع الاختيار على رواية "الشاهدة والزنجي" بمشورة الأستاذ زهير إسماعيل عبد الواحد وبمباركة الأستاذ القاص الكبير محمد خضير والأستاذ الناقد والكاتب مقداد مسعود، فتم الاتصال بعائلة المرحوم الصقر وتم استحصال موافقتهم لاعادة طباعتها. تم تداول ذلك مع والدي المرحوم الحاج غازي فيصل حمود في حينها وكان تواقاً أن يرى العمل منجزاً ولكن لا اعتراض على أمر الله.
رواية الشاهدة والزنجي لمهدي عيسى الصقر بطبعتها الثانية

وأضاف مدير دار المكتب الاهلية في البصرة قائلا:
إن نسخة الطبعة الأولى التي وصلتنا من رواية "الشاهدة والزنجي" الصادرة عن دار الشؤون الثقافية عام 1988 بسيطة جداً بسبب بساطة الإمكانيات الطباعية التي كانت متوفرة في وقتها فوجدنا من الضروري أن تكون الطبعة الثانية لائقة بالعمل واسم صاحبه فكانت أنيقة حيث صمم الغلاف الدكتور الفنان قيس عيسى وهو يحاكي الغلاف الأصلي للطبعة الأولى،  والمتن تم ضبطه بشكل لتمييز العمل بما يليق به.
رواية الشاهدة والزنجي لمهدي عيسى الصقر بطبعتها الثانية

واختتم مصطفى غازي فيصل كلمته قائلاً:

من الجدير الإشارة الى ان هدفنا من إعادة الحياة لهذا المنجز الإبداعي لم يكن من المكسب المادي فقط رغم مشروعيته، وانما دعماً للمشهد الثقافي البصري الذي نعتبر أنفسنا في دار المكتبة الاهلية في البصرة دائماً جزءاً لا يتجزأ من هذا المشهد.
للمزيد من نشاطات دار المكتبة الاهلية في البصرة انقر هنـــا

وقدم القاص محمد خضير ورقة نقدية عن رواية "الشاهدة والزنجي" قال فيها:  

ان الحديث عن رواية "الشاهدة والزنجي" طويل ويستغرق تفاصيل كثيرة ولكن لابد من الإشارة أولاً إلى المحيط التاريخي الذي انتجت فيه هذه الرواية، ذلك لأنها تنتسب إلى الخلفية الفكرية والاجتماعية للروائي مهدي عيسى الصقر. ولابد أن نشير أيضاً إلى أنها تنتسب إلى المرحلة الأولى من انتاج مهدي عيسى الصقر. وهو عاش مرحلتين أدبيتين متكاملتين. المرحلة الأولى هي مرحلة القصص الاجتماعية النقدية التي تنتسب إلى المدرسة الواقعية النقدية التي سادت في فترة الخمسينات وله مجموعة مبكرة في هذا الاتجاه مجموعة (مجرمون طيبون) الصادرة عام 1954 
عن أسرة الفن المعاصر .
رواية الشاهدة والزنجي لمهدي عيسى الصقر بطبعتها الثانية

وفي هذه القصص نلحظ أن الصقر كان يختار شخصيات من الواقع الاجتماعي المسحوق وكان يعقد ميثاقاً مع هذه الشخصيات، يعيش معها كفافاً طبقياً وأنسنة اجتماعية وتوافقاً نفسياً لم يكن يجرؤ في هذه المرحلة على أن يقدم انموذجاً متجاوزاً لمرحلته لكنه في المرحلة الأخرى"مرحلة الاحتجاج"، التي بدأت بروايات أخر، وقصص ثانية، نجد أن مهدي يمهد في حقيقة الامر إلى الاتجاه الروائي الجديد في الرواية العراقية مع فؤاد التكرلي وإلى هذه المرحلة الثانية تنتسب روايتان هما "رياح شرقية غربية" ورواية "صراخ النوارس" أما هذه الرواية "الشاهدة والزنجي" فإنها تنتسب إلى المرحلة الأولى وهي مرحلة الواقعية النقدية الاجتماعية وبالرغم من أن الراحل نشرها في العام 1988 إلا أن الناقد المتفحص لأدب الراحل يعتقد أنها كتبت قبل هذا التاريخ بمرحلة طويلة، وأعتقد أنها كتبها في مرحلة الستينات واحتفظ بها الراحل في ادراج مكتبته إلى أن حان وقت النشر، لأن شخوصها وحبكتها عادية جداً، وبناؤها عادي جدا، ولكن نجد فيها الروح الحقيقية الصادقة والانحياز الطبقي للواقع الاجتماعي وهذا ما لجأ إليه قصاصو الخمسينات. اذا كان هذا الاعتقاد صحيحاً فربما كانت الإشكالية الأخرى وهي إشكالية استبدال الاحتلال البريطاني بالاحتلال الأمريكي، والحقيقة أن أية مرجعية لهذه المسألة خارج الجناح الفني للرواية غير صحيح، حتى ولو استفدنا من مؤرخين معروفين لتلك الفترة أعتقد أيضاً أن الراحل قد تعمد هذا التحريف التاريخي فاستبدل الامريكان بالانكليز وأن وراء ذلك سببان:
الأول: أن الرواية كتبت عندما كان كاتبها يعمل في شركات النفط الانكيزية، فكان ورود الاحتلال الإنكليزي يسبب له الاحراج الوظيفي.
الثاني: ان معرفته باللغة الإنكليزية هي واحدة من أساليب التمويه الذي يتعمده على إخفاء مصادره لذلك اعتمد هذا التأريخ البديل وأعتقد أنه مبرر جداً ذلك لان العراق بالرغم من انه بلد في تلك الفترة يبدو مستقلاً إلا أنه كان تابعاً للاستعمار بشكل كبير فأي سلطة ممكن أن تستبدل وهذه مسألة طبيعية جداً. وقد يعجب القارئ مثلاً احد الاستبدالات المهمة وهو انه لماذا لم يشر الأستاذ الراحل إلى الاحتلال البريطاني عام 1941 مثلا  خاصة وأن زمن أحداث الرواية تقع في نهاية الحرب العالمية الثانية يعني في السنوات 1940 – 1945 تقريبا . عندما هزمت النازية ودخل الجيش البريطاني مرة ثانية الى العراق في زمن الأحداث الروائية ينبغي هنا أن تذكر مثل هذه الحادثة حيث دخل البريطانيون إلى العراق لنجدة أو إعادة الملك فيصل خاصة بعد أن جاء الوصي إلى البصرة هرب بعد حركة  مايس 1941 حركة رشيد عالي الكيلاني . أعتقد أن الأستاذ مهدي أراد يتجنب مثل هذا المأزق التاريخي يجب أن يتكلم هذه الحركة ويجب أن يعطي رأيا فيها فتجنب مثل هذا الاشكال التاريخي فاستبدل المحتلين بمحتلين آخرين اعتقد ان هذين التفسيرين يزيلان أي شك حول السبب الذي دعا الأستاذ إلى هذا التحريك التاريخي كما اسميته.
رواية الشاهدة والزنجي لمهدي عيسى الصقر بطبعتها الثانية

  اذا انتهينا من هذه الإحاطة التاريخية وهذا التنوير التاريخي الذي يتميز به بثقافة يعيننا على معرفة الحيل الفنية المطلوبة لدى الروائيين والثقافة الموسوعية الكبيرة التي يجب أن تتوفر لدى الكتاب والمزايا الخاصة التي يتمتع بها الراحل وهي مزايا تفرده عن اركان المدرسة الواقعية الاخرين وهم فؤاد التكرلي، غائب طعمة فرمان. نعتبر أن هذه الرواية هي واحدة من أهم الروايات التي صدرت في تلك الفترة ولابأس أن نتطرق إلى هذه المزايا المهمة لدى الراحل قبل أن التحليل الميثولوجي.
الملمح الأول: كان الروائي أول من أدرك مسألة الكتابة عن وجع الكتابة او عن وعي الكتاب لذلك أصدر كتاباً عن وجع الكتابة ولم يسبق احد بذلك من الروائيين.
الملمح الثاني: ان مهدي عيسى الصقر من أوائل من فكر بإصدارات انطلوجيات مختارات قصصية فأصدر انطلوجيتين هما: "أجراس" و"حيرة سيدة عجوز" قبل أن تفكر وزارة الثقافة بإصدار مثل هذا المشروع عن كتاب الخمسينيات هو في حياته اصدر مثل هذه الانطلوجيات. وهو اتجاه حديث في هذا المجال.
الملمح الثالث: ان الأستاذ أول من حظي بترجمة اعماله إلى اللغة الأجنبية قبل فؤاد التكرلي ونجيب محفوظ.
الملمح الرابع: ان الأستاذ الراحل كان يتمتع بوعي جمالي عال جداً فهو من أوائل الروائيين الذين أرادوا أن تنطبع سيرتهم الذاتية في رواياتهم. فكانت شخصية توفيق المترجم في " الشاهدة والزنجي" هي شخصية مهدي نفسه. وهذا المترجم الذي اسمه "توفيق" هو نفس الاسم الذي اتخذه فؤاد التكرلي في رواية "المسرات والاوجاع" وهو المثقف البرجوازي في مجتمع استعماري وهذه المزية الرابعة كررته مرتين مرة في روايته "رياح شرقية رياح غربية" التي تتطرق إلى حياة الراحل عندما كان يعمل في شركات النفط الأجنبية. هذا الملمح قليل من يلاحظه في روايته. كان انساناً مثالياً وواقعياً جداً. على عكس عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي الذين كانا ينتسبان إلى طبقة ارستقراطية عالية ولم يكونا يرغبان في أن تنعكس سيرتهم الذاتية في رواياتهم بل كان يلجأن إلى ما أسميته "كتاب العرائض" الذين يتبنون حياة الناس الأقل منهم ولكنهم يترفعون عنهم. فهما يتمتعان بجماليات عالية لكنهما لا يتمتعان بما نسميه بالصدق الفني في الكتابة. مهدي عيسى الصقر كان صادقاً فنياً في كتابته على خلاف جماعته الخمسينيين.
بعد الانتهاء من هذه الاحالات التاريخية المهمة التي تحيط بصدور رواية " الشاهدة والزنجي" نأتي إلى التحليل البنائي للرواية وهنا أتطرق إلى الخطوط العامة والمهيمنات العامة ولا أدخل في التفاصيل لأننا تطرقنا إليها سابقا.
رواية الشاهدة والزنجي لمهدي عيسى الصقر بطبعتها الثانية

أبرز المهيمنات في رواية "الشاهدة والزنجي"

المهيمن الأول: هو المهيمن البيئي أو الجغرافي
رسم مهدي عيسى الصقر هنا صورة دقيقة عن مدينة البصرة في الفترة الخمسينية أربعينيات القرن الماضي ومثل هذا الرسم سيطرح إشكالية أخرى وهو أن القارئ سيصطدم بمتغيرات كثيرة على خارطة البصرة الحالية. هناك مثلاً المدينة تقسم إلى قسمين بواسطة نهر- وهو ليس نهر شط العرب وانما هو نهر العشار مثلاً- احدهما يقع على هذا الجانب المدني النابض بالحركة والتجارة والأخر هو الذي تسكنه القوات المحتلة أي المعسكر وهذا التقسيم متعمد ولا أدري مدى صدقية هذه الخطة الجغرافية التي رسمها الكاتب. فما نعرفه عن البصرة يختلف كثيراً عن البصرة التي ترتسم في الرواية.
ففي الجانب المدني يوجد أكثر النشاط البشري ومنه مثلا النشاط الذي يتصف اللهو او العبث مثل بيوت اللذة أو المواخير، لذلك ينسب الكاتب إلى القوات المحتلة دوراً آخر وهو منع النساء من عبور النهر إلى الجهة الأخرى، حيث يستقبلن الجنود هناك في البساتين. ولذلك مثل هذا التقسيم الجغرافي هيأ شخصيات معينة ومنها هذه الشخصية التي يسميها "إبراهيم ابن الخبازة" والذي يغري البطلة "نجاة" وهو في الحقيقة اغراء متعمد وليس ناتج عن علاقة عاطفية طبيعية.
التخطيط المدني للمدينة كما هو الان محلة، سوق جامع. إضافة إلى المعسكر  وهو العنصر الدخيل على التخطيط والذي يشكل انقلاباً في تخطيط المدينة الحقيقة، لأن المهيمن الجغرافي أو البيئي سيوجه القارئ إلى مثل هذه الاستنتاجات التي سنتطرق لها. فالنهر له دور كبير خاصة في نهاية الرواية وليس معلماً جغرافياً فحسب وانما هو علامة بنيوية ستستغل في تحديد مصير البطلة.

المهيمن الثاني: المهيمن الاجتماعي

نحن نعرف ان الشخصيات التي اختارها الراحل مهدي عيسى الصقر هي شخصيات اجتماعية تنتسب إلى المرحلة الاستعمارية فأغلبها من الطبقات الفقيرة وخاصة المرأة وزوجها النجار وامام الجامع "سيد مجيد" والمجنون "حميد" و السمسار "إبراهيم" إضافة إلى المترجم "توفيق" هذه الشخصيات تتميز بانتسابها إلى الطبقة الاجتماعية الفقيرة ما عدا المثقف "توفيق" الذي يمثل الصوت المتطلع إلى المستقبل. وهو على درجة كبيرة من التهذيب بحيث يؤثر تأثيراً كبيراً على الفتاة الخاطئة "نجاة" هذا المجتمع الطبقي وهذه الحياة الشعبية التي صور منها شخصيات الرواية تمتزج بشخصيات الجنود أيضاً ذوي البشرة السمراء هنا يجب أن نعطي مثل هذا التصنيف العرقي أهمية كبيرة فسواء كانوا جنوداً أمريكان أو انكليز يزعم الأستاذ مهدي عيسى الصقر أن عددهم كان ستمائة جندي من ذوي البشرة السمراء وهذا كان تصنيفاً متعمداً لبث ثيمة معينة تتناغم مع الحياة الاجتماعية السائدة آنذاك وموقف المجتمع من هؤلاء الناس، ليسوا لأنهم جنود، ولكن بسبب لون بشرتهم ونحن نعرف أن مدينة البصرة بالذات مدينة فيها الكثير من ذوي البشرة السمراء وهناك محلة مثل "محلة العبيد" إضافة إلى أن اللون الأسود هو لون روائي ميثولوجي معروف في الادب العالمي شكسبير مثلاً يصور "اوتلو" "عطيل" على أنه من ذوي البشرة السمراء و"دزدمونه" جميلة جداً . فمثل هذا التناقض في العرق او الجنس البشري متعمد في رواية "الشاهدة والزنجي" وليس له علاقة اطلاقاً بالاحتلال او ما شابه فإن واحدة من بنى الرواية الممتازة التي فطن إليها الكاتب في وقت مبكر. فيقال ان آدم كان من ذوي البشرة السمراء، وهي واحدة من النظريات لأنه كان قد عاش في افريقيا وليس الجزء العربي. فهذا اللون له تأثير، ومثل هذه الاختيارات لها تأثير في توجيه القراءة لهذه الرواية .

المهيمن الثالث: المهيمن التاريخي

إن وجود احتلال في وقت مبكر سيؤسس لتقليد رواية وينقلها من مرحلة الواقعية الاجتماعية الانتقادية الى مرحلة النقض والاحتجاج وخاصة في الروايات المتأخرة لمهدي عيسى الصقر أو الروائيين العراقيين الاخرين وحتى فؤاد التكرلي. وخاصة وبعد أن اكتملت شخصية الرواية العراقية وأصبحت في مرتبة عالية بين الروايات العربية والعالمية لابد أن نعترف أن رواية "الشاهدة والزنجي" وروايات الكاتب الأخرى كانت السبب في نقل هذه الرؤية؛ من الرؤية الاستعمارية الى رؤية ما بعد الاستعمار ما بعد الكولونيالية وهذا اتجاه عالمي وليس عربي فقط.

المهيمن الرابع: المهيمن اللغوي

ويقصد هنا لغة التأليف أولاً واللغات المحكية الشخصيات ولغة الجنود الدخلاء، هناك ثلاثة مستويات لغوية في الرواية. يمتزج المستويان في بعض الأحيان اللغوي للشخصيات مع لغة المؤلف وحتى الحوار وهو حوار غني –ونؤكد هنا على أهمية الحوار في الكتابة الروائية خاصة والسردية عموماـ التفت مهدي عيسى الصقر في هذه الرواية إلى أهمية الحوار، فأغنى روايته بحوار حي ولكن كانت هناك مشكلة مهمة كيف يكتب لغة الحوار لشخصيات اجتماعية بسيطة مثل: الخبازة، النجار، الملا أو هذه المرأة البسيطة التي أنعم الله عليها بالجمال ولكن سلبها الثقافة ليست مثقفة ولذلك سرعان ما تقع بالخطيئة بدون إرادة. لغة مهدي عيسى الصقر في هذه الرواية سلسلة وهي لغة وصفية ما عدا الفصل الأخير وهو فصل تحليلي يعتمد على الاستبطان وعلى المونولوج الذاتي وهومن ارقى الفصول الروائية التي قرأتها لروائيي تلك الفترة.
نلاحظ هنا ارتقاء اللغة من اللغة الوصفية الى اللغة التحليلية نتيجة فطنة الروائي لان العقدة أو الحبكة تصل إلى مرحلة الانتهاء وبالمناسبة الروائي لم يضع نهاية حاسمة للرواية فكانت نهاية مفتوحة على طريقة القصص القصيرة في ذلك الوقت وهذا ما يؤكد اعتقادنا ان الرواية مكتوبة في مرحلة القصص القصيرة  عندما كانت النهاية مفتوحة واحدة من الاختراعات البنائية التي اهتدت اليها القصة العراقية وخاصة على يد فؤاد التكرلي ومهدي عيسى الصقر. لم يضع الروائي مهدي عيسى الصقر نهاية حاسمة للرواية ولذلك أراد أن يرتقي بالرواية إلى مرحلة تبهر القارئ وتدعه امام حل هو يضعه للنهاية، فالفتاة الخاطئة نجاة هي نفسها ارتقت لهذه لان اللغة منسوبة لها والتداعي منسوب لها وهي واحد من الاكتشافات البنائية في الرواية، طيلة احدى عشر فصلا كان الروائي فيها واصفاً اعتيادياً مراقباً خارجياً ولكن في الفصل الثاني عشر نجده قد ارتقى باللغة إلى مستوى عال جداً.
الجديد بالذكر ان الأستاذ مهدي عيسى الصقر كان ضليعاً بالانكليزية ولكن مع هذا كان يترجم حوار الجنود الأجانب إلى لغة عربية مثلا "بليز" "دونت" الخ يكتبها باللغة العربية وهذا التهجي اللغوي ويعتبر نوع من التجديد في الحوار عندما يتصدى إلى حوار الشخصيات الأجنبية ولكن هو يكتبها بالرسم العربي وهذا يعتبر خللا في تنويع المستويات اللغوية كان يجب على الأستاذ مهدي أن يلجأ إلى ما لجأ إليه القصاصون الخمسينيون عندما سمحوا لشخصياتهم أن يتحدثوا باللهجة العامية وطبعا العامية كانت ضرورية جدا لكي نميز القصص الخمسيني عن غيره من القصص الرومانسي والواقعي الاجتماعي لذلك كان هذا التماهي بين اللغات المختلفة للشخصيات بلغة الروائي كانت واحدة من المعايب التي يشار اليها بغض النظر عن درجة هذه الهفوات. ولكن ان من أنقذ لغة الرواية هي اللغة التي  وصل إليها في الثاني عشر والتي تتحدث فيه الهوية الحقيقية للبطلة. هنا تتساءل البطلة عن مصيرها بعد أن تشعر بأنها حامل وتفكر بالانتحار على طريقة "مدام بوفاري" و"آناكارنينا" مثل هذه السياقات الروائية المطروقة عالمياً يوظفها الأستاذ الراحل بشكل جميل دون أن يعطي رأيا فيها، فلم يصور لنا أنها سوف تنتحر في النهر وهنا يأتي دور النهر المهمل في الرواية إلى أن يظهر في الأخير عندما تفكر البطلة باغراق نفسها كما اغرقت "اوفيليها" في هاملت نفسها في النهر.
واغراق النفس هذا هي واحدة من المصائر النادرة في الادب العالمي والرواية العربية. وتستحضر الفتاة هنا تاريخ طفولتها بالكامل في هذا الفصل وكيف أنها كانت ترمي عصا أمها مع زميلتها في النهر ويأخذها المجرى. إشارات نفسية وتلميحية للمصير الذي ينتظرها.

الاستنتاجات والتفسيرات
التفسير الاجتماعي التقليدي

تظهر رواية "الشاهدة والزنجي" مدى مظلومية الشخصيات الاجتماعية التي تتعرض الى المهانة والى الاذلال في مجتمع طبقي استعماري وعلى طريقة مهدي عيسى الصقر، فهو ينحاز ويعقد اتفاقاً مع هذه الشخصيات وينحاز لها وكأنه يريد أن يوصل للقارئ رسالة أنه ينحاز إلى هذه الشخصيات.
وهنالك تفسير رمزي أعمق هو تفسير الضحية أو القربان، بأن يقدم المجتمع الظالم، مجتمع التابوهات، مجتمع الظلم ومجتمع الطبقات، أن يقدم الضحايا إلى الهة سود كما جاء في الميثولوجيات العراقية القديمة فيقدم المجتمع بغايا المعبد أو بغايا الكهان. هذه واحدة من التفسيرات العميقة في الطبقات العميقة للرواية إلا ان التفسير الصحيح هو التفسير الاجتماعي الوجودي الذي يعتقد بأن المرأة المنحرفة قد تكون بغيا فاضلة حسب تعبير "سارتر" فـ"نجاة" في الرواية التي يقودها حظها العاثر الى ما قادها هي واحدة من البغايا الفاضلات اللواتي يعطين درساً على مدى الظلم والتناقض في المجتمعات الاستعمارية الطبقية.

كما قدم الناقد الأستاذ جميل الشبيبي ورقته النقدية التي جاء فيها:

نشرت رواية "الشاهدة والزنجي" عام 1988 لكن زمن الحكاية هو زمن قديم جداً يعود إلى الاربعينيات، وهذه الحكاية، وخلال حكاية "نجاة" التي حدثت  في الاربعينيات كان عمر المؤلف في تلك الفترة لا يتجاوز الخمسة عشر عاماً اذا كان من مواليد الثلاثينيات، فالحدث الذي جرى في تلك الفترة هو حدث مفترض والمدينة التي شخصها القاص في تلك الفترة، وهي مدينة البصرة، دون ملامح واضحة، بساتين ونهر. 

رواية الشاهدة والزنجي لمهدي عيسى الصقر بطبعتها الثانية

وهناك نوع من الدكاكين والتفاصيل الأخرى الموجودة في كل الازمان. فهو تجنب أن يتحدث عن المدينة باعتبارها شاخص مكاني في تلك الفترة وركز على مسألة الاحتلال، اما الاستبدالات بين الإنكليز والامريكان فكان الهدف منه هو إدانة الحرب، خصوصا اذا عرفنا ان الرواية كتبت في عام 1985 وليس في وقت ابعد، اذن فالرواية مكتوبة في الحرب العراقية الإيرانية وكان المفروض بالكاتب أن يعطي رأيا عن هذه الحرب، فكيف يستطيع الأستاذ مهدي عيسى الصقر ان يعطي رأياً عن الحرب التي يجد فيها كل الخروقات وكل العذابات للعراقيين، كيف يستطيع أن يعطي وجهة نظر عن هذه الحرب ! فاستفاد من ماضي الحدث وبين من خلال هذا الموضوع وجهة نظره عن الحرب بأنها حرب تقتل الانسان سواء كانت عادلة أو غير عادلة. اذن الرواية تركز على مسألة أساسية في الثيمة هي إدانة الحرب دون أن ينتصر فيها أحد. كل حرب هو حدث اجرامي. هذه ناحية؛ أما الناحية الأخرى فقد استثمر الروائي الحرب باعتبارها حدثاً استثنائياً يستطيع من خلاله أن يرفع رتبة الأشخاص البسطاء الذين لا يملكون تصورات عن الواقع ولا يملكون وعياً حاداً ومعرفة بالظروف وانما يتصرفون على وفق مشاعرهم وبساطتهم، فاستغل هذا الحدث لكي ينشئ شخصيات تتحرك وتنمو وتعطي للقارئ ما يريد الكاتب أن يعبر عنه.  وهذه الرواية وهي الأولى لمهدي عيسى الصقر وقد خرج فيها من مرحلة مهمة، وهي مرحلة القصة القصيرة التي كتب فيها قصصاً كبيرة. وانتقاله من القصة القصيرة الى الرواية ومع ثقافته العالية واطلاعه على الادب الأجنبي، كان طموحا أن يجد بصمة خاصة بالرواية العراقية، فكان عملاً متقناً في هذه الرواية، فهي الرواية الأولى للروائي الذي كان يكتب قصصاً قصيرة.
رواية الشاهدة والزنجي لمهدي عيسى الصقر بطبعتها الثانية

هذه الرواية مكتوبة بتقنيات القصة القصيرة، فشخصياتها بسيطة: "حميد"، "سيد مجيد"، "نجاة"، "إبراهيم"، "توفيق"، "الجنود" وغيرهم من الشخصيات الغائمة لكنه أبرز ثلاث شخصيات مهمة : "حميد" الذي يجمع القمامة وهو يعيدنا إلى الحرب العراقية الإيرانية ايضاً، والتي كان العديد من الناس حينها تعيش على جمع القمامة وبيعها . "حميد" الرجل البسيط يحاول أن يجد علاقة بـ"نجاة" ،وكان السرد من وجهة نظر "حميد"، كان سرد النظر، كانت الأشياء تتحرك أمام حميد وعينيه تلتقط الجندي الأمريكي الضخم، تبدل حالات "نجاة" من شكل إلى آخر، فالسرد بحاسة النظر كانت الميزة الأساسية لسرد "حميد" الذي يعطي جزءاً من الحكاية بسرد خارجي بعيداً عن التأملات. اما سرد " سيد مجيد" هو سرد السمع والشم، لأنه أعمى، هذا الفصل الخاص بـ"سيد مجيد" يعتبر من أجمل الفصول التي كتبها مهدي عيسى الصقر، كيف استطاع هذا الاعمى أن يعرف الحادثة أو الخلافات بين "حسون" و "نجاة" وأن يكشف خفايا هذه العلاقة الداخلية التي لا يعرفها أحد سوى المتجسس عليهما؛ كما انه  عرف علاقة "نجاة" بـ"إبراهيم ابن الخبازة" و اخبر "حسون" بها.
أما السرد من وجهة "نجاة" فهو ينتقل من النظر إلى السمع الى العلاقات الأخرى ويكون عندها أقرب إلى القصة القصيرة، أي أن تقنية القصة القصيرة بقيت في هذه الرواية بشكل واضح لأن كل فصل كان يتحدث عن شخصية واحدة يتابع القاص هذه الشخصية من خلال عينيه أو من خلال سمعه وشمه، أما النهايات فتكون مفتوحة أو فيها أمل أن تعود الشخصية مرة أخرى، أما الفصل الأخير فانتقل فيه الكاتب من السرد الشيئي المبني على النظر والسمع والشم إلى التأمل وإلى المنولوجات الداخلية وانتقل ضمير القص من الغائب الذي كان سائدا كوجهة النظر في كل الرواية ينتقل في الفصل الثاني عشر إلى ضمير الانا؛ هنالك أعطى لـ"نجاة" بعض تجربتها العميقة التي عاشتها ،أعطاها مجالاً لكي تعبر عن نفسها ولذلك اثبت مهدي عسى الصقر انه  كان واعيا بعلاقة السرد مع الشخصية الساردة وكان قادراً على أن ينشئ عوالم متطابقة مع شخصياته وبنفس الوقت عابرة إلى أفكار وتأملات يمكن للقارئ أن يجدها.
رواية الشاهدة والزنجي لمهدي عيسى الصقر بطبعتها الثانية

أما النهاية فهي كذلك تعيدنا إلى القصة القصيرة ونعتبر "الشاهدة والزنجي" من الروايات المهمة في الادب العراقي. التي يجب أن تدرس  وتتخذ كمثال لقدرة الكاتب على الإخلاص إلى شخوصه المهمشين البسطاء الذين عبر عنهم طيلة حياته وانتصر لهم وبنفس الوقت اخذهم برفق ومحنة واعطاهم مكانة عالية في السرد العراقي للشخصية العراقية البسيطة المهمشة.
ولمزيد من المواضيع زيارة مقالات الناقد جميل الشبيبي على موقع الحوار المتمدن انقر هنـــا

و تحدث الناقد الأستاذ مقداد مسعود في قراءته لرواية "الشاهدة والزنجي قائلا"

نقترض هنا من مهدي عيسى الصقر ونقول "هي ليست شاهدة.. هي ضحية " وهو كان يشتغل على نظرية الهدم والبناء. "نجاة" ليست شاهدة بل ضحية .
"ضحية يتصرفون كأنهم أسياد، يعتدون عليها ثم يأخذونها للشهادة كأنها ليست هي الضحية الأولى"
وقد نقض الكاتب عنوان الرواية بنفسه وهي بحد ذاته نقطة مهمة.
رواية الشاهدة والزنجي لمهدي عيسى الصقر بطبعتها الثانية

النص والكمون النص

جميع القصص التي كتبها مهدي عيسى الصقر هي تدريبات من أجل يكتب رواية. في التربة القصصية لـ"مجرمون طيبون" تكمن رواياته. فقصة قصيرة في تلك المجموعة تحولت إلى رواية "رياح شرقية رياح غربية".
الجانب الاخر أن المؤلف يدخل من دون اسراف في رواية "الشاهدة والزنجي" يدخل مع النصف الثاني من السطر الأول  وبعيني "حميد" يصف ضابط من البوليس العسكري ص9 هذا المشهد مبأر من خلال عيني حميد وهو شخصية مرئية تشتغل على المرئي .

نظرية النص الغائب

اشتغل مهدي عيسى الصقر على هذه النظرية بإبداع مميز. ففي صراخ النوارس كان النص المميز هو "هاملت"، فكتب نصاً عراقياً مائة بالمائة.
أما فيما يتعلق بقضية النهر والعبور، فأعتقد انه شط العرب لأنه أكد ذلك لاحقاً بالكمون النصي في رواية "الشاطئ الثاني" عندما يصف الحادثة ويصف شارع الوطن ويؤكد انه مرجعياته في وجع الكتابة استفاد من العائلة ومن ابنته في حكاية زميلة لها. والعجيب في الرواية العراقية لا يذكرون شط العرب، الهام عبد الكريم تسميه " الشط الكبير" مهدي عيسى الصقر" يسميه النهر الكبير" أو "النهر" .
ولعبة فنية أخرى ملفتة في هذه الرواية وهي أنه بعد كل سطر حوار يدخل السارد العليم معلقاً على الحوار وهي غير موجودة في أي رواية عراقية أو عربية.
أما عن النص الغائب في هذه الرواية، فـ"ابن الخبازة" يذكرنا بـ"سليمة الخبازة" في رواية "النخلة والجيران" كما ان هناك تجاور زمني في الحدثين، ولم تكن هذه الاستفادة عفوية فهو يحاول أن يحيل الى قضية أخرى.
يحيلنا النص كذلك إلى الحرب وما حدث اثناء وأثره على المرأة.
لقراءة المزيد والدراسة بالكامل للناقد مسعود في موقع الحوار المتمدن انقر هنــا 

وتحدث الكاتب سالم محسن عن قراءته لهذه الرواية قائلا:  

هناك بعض الملاحظات لابد من ذكرها حول رواية "الشاهدة والزنجي"
إن مسألة قتل الجندي تلزمنا على قراءة الرواية بالتوازي، فالشخصيات الامريكية والعراقية لو قرأناهم بالتوازي لوجدنا أن هناك صراع داخلي على المستوى المحلي وصراع كوني ، فهذه التناقضات هي تناقضات العالم ككل العالم كوحدة موحدة.
فجريمة اغتصاب "نجاة" هي جزء من هذا العالم فيه من الصراع المادي والفكري والغرائزي والحسي أوجد هكذا حكاية، بعض التناقضات حول المكان.
فالمكان معلوم باعتبارنا قراء محليون، هذه التناقضات الروائية توحي بجو الرواية، عالم متهدم ليس فيه اتفاقات ما بين الموجودات داخل الرواية.
فقد اعطى "نجاة" ضحية لهذا الصراع الداخلي والخارجي حول الاجتماعي إلى بنية متصارعة.
اما عن اختيار مكان الجريمة داخل البستان، فذلك رمز لاغتصاب الطبيعة.


كما قدم القاص محمد سهيل احمد انطباعاته وقراءته عن رواية الشاهدة والزنجي" وقال:  

هناك العديد من التفسيرات لرواية "الشاهدة والزنجي" انها بنية احتلال مدينة.
فهل كانت "نجاة" في إيهاب امرأة، أم أنها امرأة في إيهاب مدينة؟
أما بخصوص المسألة التاريخية للاحتلال فقد حدثني أبي كان هناك في الحرب العالمية الثانية كان ما يسمى بالممر الفارسي وكان هناك جسر مده الحلفاء لدعم الجانب السوفيتي في فترة ستالين فجاء الامريكان، فتلك التفاتة بارعة من الروائي مهدي عيسى الصقر، فأراد أن ان يتفادى الاحراجات الوظيفية فاختار البعد الأمريكي ففيه الأبيض والاسمر وتلك التباينات، أما فيما يخص الحوار الإنكليزي فغلب عليه اللهجة البريطانية لأن الامريكان لا يقولون (لوك هير ذا بلادي بيج)
فـ(بلادي) لا يستخدمها الا البريطانيون. وختام القول أن هذه الرواية هائلة وأضافت الكثير للمشهد العراقي.

كما تحدث الروائية بلقيس خالد عن رواية الشاهدة والزنجي قائلة:

قبل سنوات قرأت المجموعة القصصية الجميلة "حيرة سيدة عجوز" كما قرأت (أشواق طائر الليل) التي تناولت سيرة الشاعر بدر شاكر السياب بطريقة روائية مميزة وآخر ما قرأته له "وجع الكتابة". عن تجربته السردية.
تمنحنا رواية "الشاهدة والزنجي" مفتاحاً ذهبياً حين يهبنا الروائي عنواناً تفسيرياً للرواية "حكاية امرأة حالمة في زمن متوحش" اذن هي حكاية الحلم /  الوحشية
بداية قرائتي للرواية لم تتضح الصورة لكن عدم الوضوح شوقني لمواصلة قراءة الرواية انشددت لأسلوبه في تقديم الشخصيات.


رواية الشاهدة والزنجي لمهدي عيسى الصقر بطبعتها الثانية




رواية الشاهدة والزنجي لمهدي عيسى الصقر بطبعتها الثانية

مهدي عيسى الصقر
مواليد العراق/ مدينة البصرة في عام 1927

حياته:
بدأ حياته الأدبية بمحاولات في كتابة الشعر، ولكن القصة استهوته فاتجه لكتابتها، وكانت أولى محاولاته بين عامي 1947 و1948، ونشر بعض القصص في مجلة (الأديب) اللبنانية. ينتمي إلى جيل الخمسينات الأدبي الذي ضم كتاب مثل عبد الملك نوري  ، فؤاد التكرلي، وغائب طعمة فرمان، محمود روزنامجي، عانم الدباغ .
 يعد من رواد الكتابة الواقعية في العراق فعرض في قصصه صراعات الحياة المختلفة، وسعى إلى إبراز حياة الناس ومعاناتهم.
توفي في 14 مارس عام 2006.


النتاج الروائي:
الشاهدة والزنجي”، 1988
أشواق طائر الليل”، 1995
صراخ النوارس”، 1997
الشاطئ الثاني”، 1998
رياح شرقية، ورياح غربية”، 1998
بيت على نهر دجلة”، 2006
النتاجات الأخرى:
مجرمون طييون” (مجموعة قصصية)، 1954
غضب المدينة” (مجموعة قصصية)، 1960
حيرة سيدة عجوز” (مجموعة قصصية)، 1986
أجراس” (مختارات)، 1991
شتاء بلا مطر” (مجموعة قصصية)، 2000
شواطئ الشوق” (مجموعة قصصية)، 2001
وجع الكتابة – مذكرات ويوميات”، 2001

اعلان

رواية "الشاهدة والزنجي" لمهدي عيسى الصقر بطبعتها الثانية رواية "الشاهدة والزنجي" لمهدي عيسى الصقر بطبعتها الثانية