الفنانة التشكيلية الإيرانية "سولماز توحيدلو:
امرأة وحيدة ورموز لا نهائية للتأويل
الكاتب: علي السعيدي
ثمة أعمال تشكيلية تتطلب نظرة متفحصة وتشريح دقيق
للمفردات البصرية لكي يتسنى للمخاطب فهمها واستيعابها؛ وغيرها لا يتطلب إلا نظرة
خاطفة لتجد اللوحة ملتصقة بذهنك، بل وأن أعمالاً تشكيلية معاصرة للرسامة الإيرانية
"سولماز توحيدلو" يتطلب الأمر منك الاثنين معاً.
أكثر ما يلفت
النظر لأعمالها سواء كانت البورتريه أو لوحة أخرى هي النظرة التي لا تنفك تطاردك وأنت تفكك باقي الرموز وتحلل
الكاليجرافي وتتفحص الزخارف وتترجم أجزاء الأشعار فضلاً عن المرأة التي تجدها في
اللوحات كافة وليس هناك سواها حاملة معها الماضي والحاضر والمستقبل والكثير من
التساؤلات وربما إجابات مختبئة في ركن من أركان اللوحة.
ما يميز هذه الاعمال هي الرؤية من زاوية
المرأة بجميع خصوصياتها ومن أعماقها التي لا يستطيع الرجل معرفة ماهيتها أبداً.
بطلة هذه الزوايا الأربع هي المرأة. امرأة جمعت مشاعرها ورقة وجودها في طيات
الفرشاة محبوسة في اللازمان واللامكان بجسد رمادي وأسود، مع خلفية تعكس عالماً
مجهولاً.
هذه
الرؤية إلى العالم قد تكون مستمدة من تجارب الفنانة نفسها أو ربما من نظرتها
المبهمة إلى العالم المعاصر أو شيء ما عداها. بصيغة أخرى ان هذا التعقيد هو الكائن
الماثل أمامها أي (الرجل). عدم الوضوح والشعور بالأمان خارج وجودها. خلفية اللوحة
التي تتعارض مع كيانها، تعارض يتجلى بتمثيل الشخصيات باللون الأبيض وأحياناً شخصية
ملتحفة بقماش تحكمه طيات معقدة ولون مائل إلى الأبيض ليجعل من اللوحة مشهداً
مسرحياً.
المرأة
في أعمال الفنانة في حالة جدل دائم مع العالم الخارجي وفي الوقت نفسه بانتظار
المستقبل بفارغ الصبر؛ الصبر على امتداد الزمان وتحول من العدم إلى الوجود.
يهيمن
اللامكان في هذه الاعمال على الرغم من الزحام التي يحيط بها، تبحث عن مستقبل غير
معلوم في فضاء مبهم وصراع دائم في أعماق هذه المرأة المرسومة، وذلك يبين ماهية
الفنانة الذي تنقله إلى مخاطبها بشكل مباشر.
الخطوط
المتعرجة على امتداد جسد المرأة يعكس صراعاتها الداخلية والمخاوف التي لا تحدها
رقعة جغرافية لذلك فإن الوجه لا تجده واضحاً أحياناً. قد تكون هذه اللوحات هي وجهة
النظر السوداوية للفنانة تجاه العالم، امرأة وحيدة تسترعي انتباه المخاطب من أول
نظرة، لكن الحكاية لا تنتهي هنا: تفاحة خضراء بيد احدى شخصيات اللوحة تجر المخاطب
إلى مستقبل مجهول لكن مع بصيص أمل، هذه الخضرة ربما تتحدث عن عبور الذهن من
المرارة نحو النور، طريقان محيران بين الوجود والعدم.
وفي
تجارب أخرى على عكس أعمالها الممزوجة بالمرارة والخوف واليأس، لوحات اتسمت
بالألوان الزاهية والزخارف المنوعة التي
تبدل الحزن بالجمال مما خلق فضاء سلساً وآمناً.
في مجموعة "الربيع يمتد" نجد المرأة في لوحات
الفنانة سولماز توحيدلو تبحث عن الجمال والهدوء والتصالح مع الحياة المحيط بها،
ربما نجحت بالعثور على الأمل الجديد بعد أن عبرت مراحل الحزن القديمة فهي أخيراً
تتصالح مع عالمها الجديد، وذلك الامل والجمال تجسد بألوان وعناصر تشكيلية مزجت بين
الزخارف النباتية والهندسية والعناصر الخطية.
يمثل هذا النسيج المرئي باعتباره عنصراً بصرياً بناءً
جمالياً في هذه الاعمال، إلا أن المرأة هنا تجدها لا تزال تتصارع مع الهوية؛ تظهر
أمامنا بأزيائها وتبرجها ولم تنفصل تماماً عن ثقافتها ومحيطها وأصولها، أو انها لا
تريد الانفصال عن ذلك الإرث. بعض اللوحات تبين هوية المرأة الثقافية والتجربة
الحياتية وقد نقشت على جسم امرأة عصرية، والبعض الآخر تجدها استخدمت الهوية
باعتبارها تذكاراً، حلي وأدوات زينة تجمل جسدها فحسب وكأنها تريد اظهار نفسها
بشخصية وكيان جديدين، ويعزز ذلك وجود المرآة في اللوحات.
تأخذنا الفنانة هناك إلى تجربة فريدة لمشاهدة جمالياتها
على الرغم من ضغوطات ومحددات الحياة.
وفي سياق ليس بالبعيد نجدها تنسج جسد المرأة من العناصر
البصرية الإيرانية سعياً منها لاظهار هوية المرأة الإيرانية المطبوعة في ذهنها.
على الرغم من ان اللوحات تبدو حزينة إلا أن الفنانة
وضعتها في عالم متخيل بواسطة ايقونات بصرية ممزوجة بالموروث والحديث معاً في علاقة
مشبوهة لكنها أسست لها منحى جمالياً مغايراً؛ فالمخاطب أمام لوحة مضطربة ومخدوشة
وكأنها تؤسس لأنموذج قلق بصري له نقطة بداية ونهاية كما في معرضا (ألف ـ باء).
وفي (العشاء الأخير) تتحدث الفنانة عن تجربتها ان
"المرأة في لوحاتي السابقة كانت تقبع في فضاء مغلق ممتزجاً بالنقوش التاريخية
الإيرانية وجسدها الحديث والمعاصر تزينه زخارف قديمة، وهو تعبير عن الحياة
المعاصرة التي نعيشها إلا أن الهوية القديمة والموروثات جذورها راسخة فينا، لكنني
بعد ذلك قررت وضع ذلك الأسلوب جانباً وأتجه نحو البساطة، فبعض لوحاتي جاءت بأسلوب
الواقعية بل والبعض الآخر بأسلوب الواقعية فائقة الدقة"
في مجموعتها هذه نجد الموائد مرتبة ومعدات الضيافة
متكاملة؛ ولا أثر للضيوف، وكعادتها هي المرأة وحدها تنتظر جالسة في فضاء بارد
وفارغ محدقة إلى المخاطب أو إلى ما لا نهاية الزمان والمكان.
تقول سولماز توحيد لو "لطالما شعرنا بالوحدة على
الرغم من تزاحم الأجساد حولنا، ومن أجل تصوير هذا الشعور الداخلي أستعين بالمرأة
لأنني على دراية تامة بإحساساتها وأمنح مشاعري وعواطفي لتلك المرأة في اللوحة
وأضعها في الفضاء المتخيل الذي أوليه بالغ الاهتمام والعناية".
سيرة الفنانة:
·
سولماز توحيدلو مواليد 1975 ايران، بكالوريوس رسم كلية
الفنون الجميلة، جامعة طهران
·
أول معرض شخصي، طهران، 2002
·
الجائزة الأولى، المهرجان الثقافي الفني الخامس، طهران،
2005
·
الجائزة الأولى، المهرجان الثقافي الثاني، طهران، 2005
·
شاركت في (20) معرضاً فنياً داخل ايران
·
شاركت في (13) معرضا فنياً خارج ايران منها: باريس، دبي،
بيروت، هامبورغ
المراجع:
·
الموقع الرسمي للفنانة: www.solmaztohidloo.com
·
دائرة المعارف الالكترونية للفن الإيراني: www.nujaa.com
·
معرض سيحون، مريم بيكدلي www.artin360.com
·
وكالة أنباء قطرة: www.ghatreh.com
·
وكالة الفن للانباء: www.honarnews.com
· موقع: www.shoaresal.ir


.jpg)
